الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
203
نفحات القرآن
3 - الأمان بعد الخوف إنّ نعمة الأمن وبغض النظر عن جذورها التي أشرنا إلى بعضها في بحثنا السابق ، تُعد من أكبر النعم المعنوية التي يعز على الإنسان فقدانها ولو للحظة واحدة ، وهذه الحقيقة يشعر بها الأشخاص في المناطق الصحراوية الموحشة ، أو في المناطق الحربية المعرّضة في أي وقت للقصف بالصواريخ والقنابل ، فهناك يتكدَّر معين الحياة الصافي وتمضي الساعات والدقائق ثقيلة وعسيرة ، والنقطة المقابلة لذلك هي مناطق الأمن والأمان « 1 » . يَصفُ القرآن المجيد حال المتقين بقوله : « انَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ امِيْنٍ » . ( الدخان / 51 ) فلا هم يخشون هجوم الشياطين ولا يخافون سلطة الطواغيت ولا هم يتعرضون للآفات والبلايا ولا يعتريهم الحزن والغم ! ولهذا السبب يضيف في مكان آخر : « ادْخُلُوا الجَنَّةَ لَاخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ » . ( الأعراف / 49 ) لقد لاحظنا من خلال التجربة أنّ بعض الناس - ورغم مايتوفر له من متطلبات الحياة ومستلزمات الراحة - يعيش حالة من القلق والاضطراب بسبب الحزن والهم الذي يستحوذ عليه ، أو لوجود الخوف والهلع الذي ينتابه فيقض مضجعه فنراه لا يلتفت مطلقاً إلى كل تلك النعم ولا يعير أدنى اهتمام لما بين يديه ، ففي مثل هذه الأحوال يمكن لمس حقيقة وعمق التعابير القرآنية بشأن أهل الجنّة . لابدّ أنّ أهل الجنّة يشعرون حتّى في هذه الدنيا بشيء من ذلك الأمان والسكينة في ظل إيمانهم ، وينعمون بالاستقرار حتّى في أشدّ المعضلات من خلال الاعتماد على حقيقة التوكل وروح التسليم والرضا بالإرادة الإلهيّة : « أَلَا انَّ اوْلِيَاءَ اللَّهِ لَاخَوفٌ عَلَيْهِم وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » . . . « لَهُمُ البُشرَى فِى الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِى الْآخِرَةِ » . ( يونس / 62 - 64 )
--> ( 1 ) . كلمة « آمنين » الواردة في الآية 55 من سورة الدخان ؛ والآية 46 من سورة الحجر بشأن أهل الجنّة ، وكذلك كلمة « آمنون » في الآية 37 من سورة النبأ حيث تقول : « وهم في الغرفات آمنون » هاتان الكلمتان تشيران إلى نفس هذا المعنى .